تخطى إلى المحتوى
Home » الطنط الأسود #7: الحلاقة وتسميع الحكي والتهيّؤات

الطنط الأسود #7: الحلاقة وتسميع الحكي والتهيّؤات

شعري عندما انتقلت من الشعر الطويل للقرعة

كنتُ أتمشّى مع صديقتي في مدينة رام الله، وفي الشّارع القصير الواصل بين دوّاريْ السّاعة والمنارة أشحتُ بيدي مسلّمًا على الشّاب الواقف عند صالون حلاقة، ثمّ أومأتُ برأسي مبتسمًا إجابةً على سؤاله “كيفك؟”. لاحظتْ صديقتي الحماسة الّتي بدت على وجهي وأنا أسلّمُ عليه فضحكنا عليّ؛ لاختلاف الشّخص الّذي سلّمتُ عليه عن نوعية وشكل النّاس الّذين قد أسلّمُ عليهم عادةً، وفرحتُ لذلك.

يعمل وديع، فلنسمّه وديع، في صالون حلاقة فيه ثلاثة حلّاقين بثلاثة كراسي، كمعظم المحالق الموجودة في مركز البلد، وأرجّحُ أنّ زبائنهم من عابري الطريق والمضطّرين، وأكثر ما يميّز مثل هذه الصّالونات بالنسبة لي هو أنّها تفتح أبوابها باكرًا، فيمكن لي أن أحلق شعري عند السّاعة الثامنة والنصف صباحًا قبل البدء بيومٍ أريدُ فيهِ أن أبدو مُرتّبًا.

صالونات حلاقة الرجال من أعنف وأسوأ المساحات التي قد يتواجد طنطٌ مثلي فيها. لسنواتٍ طويلة كان شعري طويلًا ومربوطًا كذنب الفرس، فلم أحتج لحلاقةٍ دوريّة باستثناء قصّ الأطراف عندما تذبل كلّ بضعة أشهر. بعد أن قرّرت حلاقة شعري الطويل على القَرعة، لم أثبت لفترات طويلة عند حلّاق واحد ولم يكن لدي حلّاق؛ فتنقّلي بين أماكن سكن مختلفة في سنواتي الأخيرة صعّب الأمر، إلّا أنّ السبب الرئيسي طبعًا هو حاجتي لتغيير الحلّاق بعد موقف مزعج أو غير مريح يوصلنا إلى طريق مسدود.

صالونات حلاقة الرجال من أقرف المساحات التي قد أتواجد فيها؛ فهي غالبًا  تمتلئ بصراخٍ واستعراضٍ ذكوري ونكتٍ رديئة أو موسيقى عالية جدًا أو خطابات دعويّة وشتائم وإشاعات ونهفات تيكتوك وقصص فيسبوك، أمّا سؤال “من وين انتَ؟” الذي يصوّبه معظم الحلاقين نحوي بعد دقائق قليلة من الجلوس على الكرسي، فهو كفيل وحده ليشعرني باستنكار الحلّاق ورغبته باستكشاف المخلوق الجالس على الكرسي أمامه/ تحته، وبالعادة يُلحَق بأسئلة أخرى مثل “شو بتشتغل؟”. أمّا الأزمة الأكبر فتأتي عندما يقرّرُ الحلاق أو أيّ من الزبائن التعليق أو السؤال عن حلق حاجبي، فتمرّ دقائق الانتظار والحلاقة كساعات طويلة وبطيئة ومليئة بالتوتّر.

في المرّات القليلة التي يكون فيها جوّ المحلقة والحلّاق نفسه مريحيْنِ ولا يشعرونني بالتهديد، يخسرني الحلّاق لأنه مزعج وغير جدّي. ذهبتُ يومًا إلى الحلّاق نفسه للمرّة الثالثة في بلدتي، وكانت الساعة الحادية عشرة والربع ليلًا، فاتّصلت عليه خطيبته محمولة بموجة غضب عارم كونه لم يتّصل بها لمعايدتها بعيد ميلادها على اعتبار مرور ربع ساعة بعد منتصف الليل، فترك شعري ولحيتي وشاربي  وراح يشرح لها بأعلى صوت ممكن أنّنا في الضفّة لم نحوّل الساعة للتوقيت الشتوي ونقدّم الساعة للأمام كما فعلوا في القدس، ، وكان دون شكّ سيتّصل بها في تمام الثانية عشرة. حدثّ هذا كلّه فيما أنا متسمّرٌ على الكرسي أنتظر هذه المحادثة أن تنتهي. وفي مرّةٍ أخرى طلبتُ من حلاقٍ آخر ألّا يستعمل الشفرة لأنّها تسبب لي الحساسيّة، فاستعملها لقناعته بأنّ الشفرة تجعل الحلقة (الشعر، الذقن…) أرتب وأحلى ولم يحترم رغبتي؛ فتسبب لي بحرقة وحكّة ليومين.

وديع لطيفٌ ومريحٌ وجدّي، عرف حلقتي المفضّلة ولم يسألني عنها في المرّتين الأخيرتين، وهي إشارة إلى أنّه بدأ يصيرُ “حلّاقي”. لا يزعجني أبدًا، على العكس، أحبُّ وجهه وتوجّهه. نتهامسُ أنا وهو تهكّمًا على الحلّاقين الآخرين في المحلّ والزبائن، كالمرّة التي أحضرَتْ فيها امرأة طفلها مفرط الزناخة والدلع للحلاقة، فلَعن الساعة التي يأتي فيها أطفال للحلاقة، وأسهبنا بالحديث عن الأهل والتربية والأطفال الزنخين. لكن كالعادة، وإن سلمتُ من الحلّاق نفسه، لا أسلم من الزبائن أو الحلّاقين الآخرين في الصالون. 

يعمل على الكرسي الموجود إلى جانب وديع حلّاقٌ آخر يبدو تجسيدًا لشخصيّة كرتونيّة تمثّل كائنًا مفرط الرجولة والتهديد؛ ضخم وطويل وعريض المنكبين مع لحية طويلة وصوت غليظ، وتستشعر العدوانيّة مع كلّ جملة يقولها. ما إن جلست على الكرسي تحت يديّ وديع، حتّى بدأ الضخم دون أي مقدّمةٍ أو سببٍ يسرد ما حدث معه في الليلة السابقة، بما ملخّصه أنه التقى بشابٍّ سكران في شارع الطيرة، وتصرّف الأخير معه بمياعة، فما كان من الحلاق البطل سوى أن اختطف كأس الخمرة من يده ورماها في الشارع، وشدّه من شعره الطويل وقال له “الله رحمك إنك بنت، لو إنك زلمة كان شفت شو عملت فيك”. طبعًا مع سرد لتفاصيل أدقّ ونبرة استعراض أعلى. 

بدأت أشعر بثقل القصّة على جسدي فورًا، وبانت ملامح التوتّر على وجهي بطريقةٍ لا يمن أخفاؤها؛ لقربِ وجهي من وديع، قُربَ حلّاق من زبونه. ردّة فعل عقلي الأولى والمعهودة على مثل هذه المواقف هو تحليل الحديث أو الموقف باعتباره هجومًا عليّ؛ فأيّ صدفة أو سبب جعلا الحلّاق يشارك هذه القصّة سوى مهاجمة شاب مايع آخر دخل المحلقة قبل دقائق؟ أحاول تهدئة نفسي بتذكّر نصائح صديقاتي المستمرّة بألّا أبالغ في تحليل مواقف هي على الأغلب “عاديّة”، والشيء الوحيد غير العادي فيها هو تأويلها في رأسي. حدث مرة وشاركتُ صديقةً موقفًا في صالون آخر امتلأ بالنكات والتلميحات الجنسيّة الممزوجة بأصوات غنج لمجموعة شباب، فقالت لي حينها أنّ هذا على الأغلب ألف باء صالونات شباب، ولا علاقة لوجودي هناك بالمشهد.

في الصالون الذي يعمل فيه وديع، عاملٌ آخر في عمر المراهقة يساعد الحلاقين في التنظيف وتحضير أدوات الحلاقة، أراه من خلال المرآة جالسًا على كراسي الانتظار خلفنا يستمع بشغف إلى قصّة الحلاق البطل إلى جانبنا. انتهت قصّة الحلاق وانتقلت الأضواء وآذان المستمعين بطريقة لا أفهمها إلى المراهق الذي بدأ هو الآخر بسرد تفاصيل طوشة البارحة التي فتح فيها رأسَ شخصٍ ما قبل أن يصل عمّه فلان الفلاني وينهي القصّة ببوسة على الراس. سرعان ما بدأ المراهق سرد بطولته حتّى نظرنا أنا ووديع إلى بعضنا البعض مع ابتسامة متفجّرة بالضحك مفادها أنّ كلانا فهم تصاعد مشهد الاستعراضات القائم.

بعدَ لحظات قاطعَ صوتُ وديع الأحاديثَ التي أثارتها قصّة طوشة المراهق، حيث أعلن بشكل تهكّمي “ولكم مبارح، وأنا مروّح”، صمت للحظات، رفع صوته وفتح ذراعيه حماسًا، “لقيت أسد”. لم أخفِ ضحكتي، ما فضح التحالف السرّي بيني وبين وديع، وأكمل وديع محاولة سرد قصّته بين الضحك والشتائم من البقيّة، وأنهاها بأنه حاليًا بانتظار أن يأخذ الأسد الذي ربطه ولجمه إلى حديقة حيوانات قلقيلية.

لم يعجب الحلاق العريض تدخّل وديع، وقفز بشكل حادّ ومباشر لقصّة بعيدة عن ثيمة الاستعراضات القائمة تثأر من تهكّم وديع حول زبون يأتي دومًا لوديع مرتديًا شورط، بل والأنكى من ذلك أنّ وديع يذهب له أحيانًا إلى المنزل، والبقيّة عنّا… .

بعد انتصارنا الصغير أنا ووديع، أعود إلى التوتّر مع هذا الهجوم المباغت. ألبس في تلك اللحظات شورط ورديّ قصير، ولا يمكن بأيّ حال ألّا يكون الحلاق يقصدني في حديثه، بنبرة عدائيّة وهجوميّة أكثر حتّى. ينقذني الحلاق الثالث في الصالون من إسهاب الحلاق الضخم حول الزبون أبو الشورط بمغامرته عندما حلق لمحمّد عسّاف في غرفة الأوتيل في كندا وهو يرتدي البوكسير(؟!) حيث قال له عسّاف حينها “شو يعني إذا صرت مشهور؟ إحنا منضلّ ولاد بلد”، فيخفف تشنّج الأجواء وأشعر بتشتت الانتباه عنّي وعن شورطي وجلستي ونَفَسي. 

للأسف الشديد، على الأغلب، عليّ أن أبحث عن حلّاق غير وديع.