تخطى إلى المحتوى
Home » الطنط الأسود #8: رسالة عن الحُب والكتابة

الطنط الأسود #8: رسالة عن الحُب والكتابة

من ديوان الشاعرة داليا طه “والآن، تعال أيّها العالم”

سجى،

فاتني الكثير من الأحداث المهمّة في الستّة عشر شهر. أوّلها عرس “م” و”ع” الّذي تحمستُ له وكنّا قبل السابع من أكتوبر نحلم أن نسافر جميعنا ونحتفل بهم في قبرص لأنّ العروس مسيحيّة والعريس مسلم ولا يمكن عقد قرانهما في الضفّة، صار العرس في الضفّة وأنا في السجن. فاتني عيد ميلاد لنور ابنة أختي. فاتني تمرين الرياضة كلّ يوم. فاتتني الكثير من الريلز المضحكة. كنت أعرف أن هذه الأشياء وغيرها ستفوتني وتوقّعتها، أمّا ما لم يخطر لي ولم تخبرني به المحاميّة قطّ في الزيارات هو أن يفوتني أن أراكِ في الحُب. كنتِ دائمًا تمتلئينَ حبًا، ومعطاءة فيه، على الأقلّ في حبّي أنا، لكن أريد أن أراكِ تقعين في الحب الرومنسي وتتصرّفين كالأطفال، مثلي تمامًا في هذه الفترة. أريد أن أكون معك في تلك الفترة وتفاصيلها تمامًا كما أردتِ حسب ما ذكرتِ في رسالتك التي لم يقرأها سوى الأثير حينها وأنا مؤخّرًا. أريد أن أسألك الكثير من الأسئلة، وأبدي الكثير من الحماس والخوف، وعلى الأغلب بعض التعليقات الشّريرة كونك تعرفين رأيي في ذلك الشخص.

 لستِ الوحيدة من أصدقائي ممّن وقعوا في الحب وأنا حبيس الزنازين، لكنّك الوحيدة التي انتهت قصّتها قبل أن أشهدها، وأعلم كم هو مؤلم أن أشير إلى هذا وأذكّركِ به. أخبرتني المحامية في إحدى الزيارات أنّ “غ. صاحَب صبيّة أمّورة”، ظلّ فضولي متّقدًا طوال أشهر السجن لمعرفة من هي تلك الصبيّة الأمّورة، لا بل ولمّح لي عندما تحدّثنا بعد يومين من خروجي من السجن أنّه يفكّر بالزواج (؟!)، هذه من علامات الساعة كالسابع من أكتوبر واقتراب زوال إسرائيل. أمّا المفاجأة فكانت عندما علمت بعد الإفراج أنّ ح. ول. في علاقة رومنسيّة ومغرومين، أخبرانني بالتفصيل كيف بدأت القصّة، وكيف اعترفا بمشاعرهما في ليلة بعد قراءة مئة صفحة من كتاب Beloved لتوني موريسون في جلسة واحدة. لا شيء أجمل من البدايات، بدايات الحُب والثورة. كليشيه حقيقي لا بدّ منه. 

تعرفين كم أحبّ الحُب، وأقدّره، أحبّ مظاهر الرومنسيّة، حتّى أكثرها ابتذالًا، ولا شكّ لديّ أنّني كنت سأسعد في حبّك وأحتفي به. لو لم أكن في النّقب، كنت سأسافر إلى عمّان وألتقي بها، أراكما مع بعضكما البعض ونلفلف ونأكل ونتحدّث لساعات، وبالطبّع أشكّل انطباعاتي وأحكامي، سواء مع نفسي أو أشاركها معك. على فكرة، أنا محترف في مرافقة الأزواج والحبّيبة، أتقن ذلك منذ خمس سنوات، أو تقنيًا منذ ثلاث سنوات وثمانية أشهر. لم أستخدم المصطلح الإنجليزي “third wheel” لأنّه محمّل بسلبيّة ما كونه يحيل إلى أنّ ال third wheel غير مرغوب فيه ويشعر بالحرج، وهو ما لا أشعره برفقة الأزواج بالعادة، وأريد أن أرافقك مع شريكة أو حبيبة يومًا ما. 

بالتأكيد هذه لن تكون قصّة الحب الأخيرة لك، أمامنا الكثير من الحب والحب. على الأقلّ، لدينا الفرصة الآن أن تريني واقعًا في الحب، غارقًا من رأسي حتّى أخمص قدميّ، في قصّة جميلة نراها تموت يومًا بعد آخر بسبب استحالة ظروفها، ونرى قلبي بطريقه إلى التشظّي لقطع سنحتاج وقتًا كي نلملمها في ملقط حواجب صغير. ممتنّ جدًا أنّك كنتِ قريبة منّي في هذه الفترة، تحملين مشاعري المتناثرة في جبل اللويبدة بأكمله، تتأثّرين بتفاصيل قصّتي، وتحاضرين حول أنماط التعلّق القلق أو التجنّبي وغيرها الكثير من مفاهيم علم النفس التي لم ولن آخذها يومًا بجديّة.

منذ خروجي من السجن قبل أربعة أشهر ونصف، وأنا أفكّر ماذا سأكتب للمدوّنة وكيف سأستمرّ، وما هي التدوينة الأولى التي سأعود فيها بعد هذا الانقطاع الطويل. ثمّة الكثير من التوقّعات من نفسي ومن الآخرين تجاه نفسي، عمّا يجب أن أحكيه وأكتبه الآن، وكيف. هذه المدوّنة هي مشروعي الأهمّ منذ بدأت الكتابة فيها، قبل أن تعطّلني الإبادة والسجن. آخذ المدوّنة بجديّة عالية، ومع هذه الجديّة بقيت عالقًا في سؤال: كيفيّة العودة للكتابة فيها، كان لا بدّ من الكتابة عن القضايا الأهمّ والأبرز منذ فترة الانقطاع: الإبادة والسجن.

بعد السابع من أكتوبر، وقبل السجن، أي بين تشرين الأوّل وشباط، حاولت الكتابة مرارًا ولم أنجح. كتبت نصًا قرأه رفيقي الذي يقرأ التدوينات قبل نشرها، وقال لي إنّه مبعثر ولا يشبه روح المدوّنة ومن الأفضل عدم نشره، ولم أكتب شيئًا بعده. كتبته في 2023/12/20. الآن أكتبُ لكِ عن الحب متذكرًا ما كتبته في حينها، متسائلًا عن تلك العودة للكتابة، وهذه العودة. لا أعرفُ المسافة بين العودتين، وممّا كتبته وقتها:

“على الرغم من الحزن المفجع والخوف المدقع والترقّب وعدم الوضوح حول أيٍّ ممّا سيأتي، إلّا أنّ السابع من أكتوبر جلب معه نوعًا ما من الوضوح لم أره أو أشعر به في حياتي، وهو بالضرورة ما سينعكس على كتابتي والمدوّنة. وكأنّ السابع مع أكتوبر -وما بعده- كشفوا كلّ شيء، كثّفوا كلّ شيء، سرّعوا كلّ شيء. أفكّر كثيرًا في فعل الكتابة وجوديًا وفلسفيًا وعمليّا، الكتابة بأشكالها المختلفة وغاياتها المتعدّدة، وأقربها على قلبي وأهمّها لي التدوين في هذه المساحة. جاء السابع من أكتوبر ليضع الأسئلة حول الكتابة بمستوى ومكان آخرين. أشعر منذ السابع من أكتوبر أن ذلك اليوم هو الفعل، هو المتن، وكلّ ما هو عداه هامشٌ يمكن الاستغناء عنه. هذه التدوينة الأولى منذ السابع من أكتوبر، والتدوينة الأقصر بين التدوينات. هذه التدوينة محاولة للعودة إلى المدوّنة والتدوين، محاولة للملمة البعثرة وتحدّي الشلل ومواجهة العجز والتغلّب على الحزن، ومحاولة لتذكير نفسي أنه كان ثمّة شيء ذو معنى وأهميّة في حياتي قبل السابع من أكتوبر، مدوّنة الطنط الأسود. أكتب وأتساءل كيف سأنشر التدوينة وأشاركها مع أيّ أحد، وهل لأحد القدرة والرغبة على القراءة والتفاعل؟”

اليوم، وبعد عامين من التدوينة التي لم تُنشر، أشعر أنّ الأفكار ذاتها لم تزل ترافقني أثناء الكتابة عن الحب. أنتظر هذه اللحظة التي سأكتب فيها مذ كنت في الزنازين، كنت محتارًا جدًا حول القصّة التي سأبدأ بها، أو بالأحرى المآسي التي سأشاركها، وما هو ترتيبها وشكلها. أشعر بالغرابة وأحطّم كلّ توقّعاتي بالعودة في الكتابة من خلال رسالة عن الحب. 

يقول الشاعر والرفيق بريخت في قصيدته “إلى الأجيال القادمة” إنه في زمن الشدّة الذي نعيش فيه، يوشك الحديث عن الأشجار أن يكون جريمة، “لأنه يَعني الصَّمت على جرائم أشدَّ هَولًا”. فما بالك بالكتابة عن الحب بكلّ هذه الحفاوة في زمن الإبادة وبعد كلّ العذاب الذي عشته؟ كم هي نكراء جريمتي. 

لك كلّ حب الدنيا، تستحقّين كل الحب في عالم ينقصه الحب. أتمنّى ألّا أعود إلى السجن، ونعود دومًا إلى الحُب.